أحمد بن محمد مسكويه الرازي

288

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً « 1 » وفي القرآن من هذه الأمثال شيء كثير ، كذلك في الأخبار المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « وأما المفتخر بنسبه فأكثر ما يدعيه إذا كان صادقا أن أباه كان فاضلا ، فلو حضر ذلك الفاضل وقال إنّ الفضل الذي تدّعيه لي أنا مستبد به دونك ، فما الذي عندك منه مما ليس عند غيرك ، لأفحمه وأسكته » . وقد روي عن رسول صلّى اللّه عليه وآله في هذا المعنى أخبار كثيرة صحيحة ، منها أنه قال : « لا تأتوني بأنسابكم واتوني بأعمالكم » أو ما هذا معناه . « 2 » ويحكى عن مملوك كان لبعض الفلاسفة إنّه أفتخر عليه بعض رؤساء زمانه فقال له : « ان افتخرت عليّ بفرسك فالحسن لها دونك ، وان افتخرت بآبائك فالفضل كان فيهم دونك ، فإذا كانت الفضائل والمحاسن خارجة عنك وأنت منسلخ عنها وقد رددناها على أصحابها ، بل لم تخرج عنهم فترد عليهم ، وأنت ممن يحقق ذلك ان شاء اللّه تعالى » . « 3 » وحكي عن بعض الفلاسفة انه دخل على بعض أهل اليسار والثروة ، وكان يحتشد في الزينة ويفتخر بكثرة آلاته ، وحضر الفيلسوف بصقة فتنخّع « 4 » لها والتفت في البيت

--> ( 1 ) . الكهف / 45 . ( 2 ) . قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون الآية 101 : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 3 ) . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « ما لابن آدم والعجب ، أوّله نطفة قذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو بين ذلك يحمل العذرة . ( 4 ) . تنخّع الرجل : دفع بشيء من صدره أو أنفه . وتنخّع الرجل : رمى نخاعته ، وهي كناية عن النظر والإمعان والالتفات إلى الشيء باهتمام خاص . وأصلها من نخاع الجسم ، وهو العرق الأبيض في داخل العنق يمتدّ في فقار الصلب إلى عجب الذنب والعامّة تسمّيه دودة الظهر .